تكريم اتحاد الصحفيين الأفارقة للكاتب الكبير الاستاذ محفوظ الأنصارى بعد 35 عاما من قيادته له ، تكريم لقيادة لم تكن تدير اتحادا صحفيا قاريا من خلف مقعد زجاجي، بل كان يعيش هموم القارة فى كل كتاباته ، وهى درس مهنى وإنسانى صارم للصحافة المعاصرة: «إن الصحفى الحقيقى ليس من يصف النيران وهى تلتهم الجدران، بل هو من يقف أمام المخططات وينبه إلى السلك المكشوف قبل أن تشتعل الشرارة». وستظل نياشينه وأوراقه تعكس ضوء تاريخه المجيد، شهادةً حيةً على عقل صحفى فارق الاستسهال الإخباري، وترك رؤية وأثراً لا يمحى.
وأستكمل ما بدأته الاسبوع الماضى من بين جبال الأوراق، بعض المخطوطات والمسودات الخاصة بمقالاته عن إفريقيا ..
> فى هذه المخطوطة يتناول كاتبنا «ظواهر جديدة: إبراز الكائنات الصغرى والكيانات الصناعيه ومحاولات تقديمها كقوة إقليميه صاحبة دور ورسالة.. بهذا العنوان يدق الانصارى ناقوس الخطر لواقع النظام الإقليمى والتحولات الجيواستراتيجية المعاصرة وظاهرة إعادة تشكيل خرائط النفوذ وتوازنات القوى فى الشرق الأوسط وأفريقيا.
يقصد الكاتب بـ «الكائنات الصغرى والكيانات الصناعية» من الهامش إلى صدارة المشهد تلك الدول محدودة المساحة أو حديثة التأسيس، أو التنظيمات الموازية والوظائفية التى لا تمتلك مقومات الدولة القومية التاريخية «من ثقل سكانى، أو عمق حضاري، أو مؤسسات رصينة»، بل جرى تخليق دورها وتضخيمه عبر تراكمات مالية مفاجئة، أو تحالفات استخباراتية، أو ارتهان تام لقوى عظمى خارجية.
وتتجلى هذه الظاهرة فى عدة أبعاد منها الدور الوظيفى والرسائل المستعارة، بمحاولة تقديم هذه الكيانات كـ «صاحبة دور ورسالة» ليست إلا عملية تسويق سياسى وإعلامى مموهة.. فغالباً ما تُحمل هذه الدول أدواراً أكبر من حجمها الطبيعى لتقوم بالوكالة لتنفيذ أفق جيوستراتيجى يخدم قوى كبرى، محاولة ملء الفراغ الناجم عن تراجع الأدوار التاريخية للدول المحورية.
والهدف هو إضعاف وتفكيك القوى التاريخية حيث تعتمد آلية صعود هذه الكيانات على استغلال حالة الإنهاك السياسى والاقتصادى التى مرت بها دول المركز التاريخى فى المنطقة «مثل مصر، وسوريا، والعراق، والسودان».. ويُراد لهذه الكيانات أن تبدو كبديل «حديث ومؤثر»، بينما تحاول فى جوهرها ممارسة أدوار تفكيكية وتجزئة المجزأ.
ويكون ذلك باستخدام سلاح المال والنفوذ غير المباشر حيث تُوظف هذه الكيانات القوة الناعمة الخشنة «عبر الإعلام المُصنّع، ودبلوماسية الشيكات، وتجنيد المرتزقة، والدعم المالى للنزاعات المسلحة» لفرض حضورها كلاعب إقليمي، دون أن تمتلك المقومات الذاتية لاستدامته حال تغيّر التوازنات الدولية.
هذا التداعى الجيوسياسى والرؤية التحذيرية التى أطلقها الانصارى منذ سنوات كشفت عن خطورة تقديم «الكيانات الصناعية أو المالية» كقوى إقليمية تكمن فى صناعة حالة من السيولة وعدم الاستقرار المستمر؛ فهذه الكيانات لا تمتلك المسئولية التاريخية ولا الاستراتيجية الكفيلة بالحفاظ على الأمن القومى والإقليمى المستدام.. فهى تتحرك غالباً وفق منطق المغامرة والمصالح الضيقة أو الأجندات العابرة للمحيطات.
قراءة محفوظ الأنصارى هنا تنبهنا إلى أن الاستقرار الإقليمى الحقيقى لا يمكن أن يُبنى على كائنات طارئة أو كيانات مُصنّعة، بل يعود دوماً إلى نصابه الطبيعى عندما تستعيد القوى الحضارية والتاريخية زمام المبادرة والفاعلية فى إدارة أزمات الإقليم.ِ
إفريقيا ساحة الصراع بين الكبار
تتسع الرؤية الفلسفية لدى الأنصارى لتتجاوز الحدود الوطنية نحو القارة بأكملها تحت بند «أفريقيا.. أجهزة ..» أمريكا - الصين.. المنافسة والدور وعلامات التمايز.. أمريكا : أقوى اقتصاد فى العالم ...الصين اسرع نمو اقتصادى فى العالم ..«آسيا فوبيا»..انتشارها بين الامريكيين.
لم يكن انشغاله بالصين، والولايات المتحدة، وإثيوبيا، والدور الإقليمى لمصر مجرد ترف فكرى، بل قراءة لموقع إفريقيا فى «أنطولوجيا الصراع العالمى». لقد أدرك أن السودان ليس إلا نقطة الارتكاز فى لعبة شطرنج كبرى، حيث تُوظَّف الموارد المائية والنفطية والموانئ البحرية ضمن صراع نفوذ عالمى يُدار بأيدٍ ومسارات محلية.
الورقة الخامسة:
«التدويل.. وفقدان السيادة الوطنية.. عملية التحول: أثر عملى للتدخل السياسى - أزمة الفقر وتداعيات الأزمة والتدخل فى المنطقة الإقليمية والدولية.. - فى البداية .. التقسيم وبعده الاستقلال - بناء أساسى قوى والتغيير السياسى..»
يمكن القول إن عمليات التدوين القائمة والمفروضة على عدد من المشاكل والقضايا الدولية فى عدد من الاقاليم فى العالم هى البداية الفعلية والعملية لاستكمال بناء الامبراطورية الامريكية وقيامها فى البلقان، وكسوفو، وفى السودان، لبنان، العراق، الصومال، دارفور ، الكونغو ، كوت ديفوار»
فى قراءته لـ«التدويل وفقدان السيادة».